شخصي

عنتاب تخنقني

كالبشر , لا تحتاج المدينة لكثير من الوقت حتى تخمد أنفاسها , ينزوي محبّوها بعيداً عن الأنظار وكأنها لم تكن يوماً المشتهى .

تراقب المدينة أبنائها الوافدين منهم لترى ما يفعلون , المدينة تمرض تحتضر و تموت , يتجلى السواد عليها , و لا تفكر في الانتقام , عليها النهوض بعد تلقيها كل ضربة حتى ولو صعب الأمر , لا يمكن أن تبقى محايدة , ما من حقد بين عينيها , هذه الضربة كانت قاصمة , صَعِب على المدينة أن تبقى محايدة , تخلت عن الحضارات و العيش المشترك و الزمن الجميل , تتناسى تجليات الصور القديمة , نزهة لعاشقين في الأزقة العتيقة , تمردت على الذكريات , أصبحت ضحكة الماضي قهقهة شياطين العقل .

لم ترغب عنتاب أن تبقى بعيدة عن مجرى الاحداث , لتنتكس كانتكاسة ابنها , تستعير وجهاً بان عليه الحزن لترتديه , لا يهمها رأي الآخرين فيها , هي الآن تمارس قناعات التنقّل حرّة بين فصول الأيام , حزينة كشتاء موعود بالأمل إذا ما دق ناقوس ربيعه , عطشى لتتجدد مع ترانيم الصيف , كئيبة هي كما الخريف .

تموت المدن , لا سائل عن جثتها التي تعفنت في العراء , ما من أحد يرغب بمواراتها التراب , تسقط المدينة قتيلة , ممرغة , تسقط و في وقوعها يخمد كل شيء , لا أحد يشعر بموتها , قلبها توقف عن الخفقان , لم يروا الرصاصة الطائشة تشقّ صدرها , ارتعاشة خفيفة تسري في أجسادهم لتنبأهم بعدم سير الأمور على ما يرام , هذه أقصى ردّات الفعل .

عنتاب , تعبق بالألم , يثقل الهواء , صعوبة التنفس و كأن الربو داء معدي أصاب الجميع في عاصفة غباريّة , رائحة الموت المبطن و الظاهر , تصبح مدينةً معلقة على جدار العمر مزينةً بشارة سوداء , تحوي كلّ من قتلوا و حملوا إلى الأجداث , تحوي مشاريع الجثث القادمة , و من يلوح الموت صبحاً و مساءاً أمام داره لا ينتظر أكثر من إشارة لينقض .

عنتاب , قبر واسع يحوي القاتل و القتيل و المجرم و البربء , و من يقتل يبرر القتل , و من يحاكم فينزل الموت حكماً أبدياً على قاطنيها .

لم يتبقى شيء . جثث تطفو على سطحها , لا شيء غير توابيت متجولة تنتظر حفرة يَمنّها عليها حفّار القبور . الموت لا أكثر , يجرف طفلاً , حلماً , أملاً , لا يهم .

الموت هو كل ما تحويه , لا أمل في ذاك النفق الذي امتد من أولها لآخرها , لا جسر يعبر عليه الأموات خفافاً فلا ثقل لجثثهم ترسو على أرضها , الموت كل ما تلفظه عنتاب الآن , توقف الزمن عن المرور فيها , لا شيء يشي بالحياة , لا ابتسامة تفتر على فاهٍ صغير , لا كرة تتدحرج بحارتها الضيقة تحضن ضحكات لمستقبل كان حيّاً و اليوم لفّته أسمال الفراق .

كما البشر تموت المدن , تموت بالفراق , تموت برغبات مستميتة للاستيلاء على أرواح فيها ثمنها أرواح فالروح بالروح و الأشلاء البريئة -بخشيش- , المدن تموت و تأخذ وقتاً طويلاً لإعادة إحيائها إن عادت . ولكن الجروح القاتلة تبقى ندبات تحفر الماضي , تقضّ المستقبل , إذا ما وجد ذات يوم في زمن قادم .

المدن تموت , لا تظهر في عالمنا الافتراضي هامدة مطفئة العينين مصفرّة الوجه , لا تملاً حساباتنا بالنعوات على الساكن سكونه الأخير , تموت المدن بصمت , لا أحد يعرف هل قتلها الحبيب ام المحبوب , تموت بصمت دون أن يعرف احد بموتها , إلا بعد أن تصبح مجرد هيكلٍ فارغٍ من الحياة لا أكثر .

UnDyInG

اضف تعليق

انقر هنا لإضافة تعليق

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *